مدونة اليوم · 24 سبتمبر 2026 · 3:15
استمع في تطبيق Podli 🎧
تابع برامجك المفضلة، واستمع دون اتصال وفي السيارة عبر CarPlay و Android Auto، وأكمل دائمًا من حيث توقفت. جرّبه مجانًا.
لا أذكر متى كبر ابناي إلى درجة أنني توقفتُ عن حملهما بين ذراعيّ. أذكر آلاف المرات التي حملتهما فيها. حين كانا رضيعين، حين ناما في السيارة، حين تعبا من المشي ومدّا أيديهما نحوي. لكنني لا أذكر المرة الأخيرة لكلّ منهما. لا بدّ أن كلاً من هاتين المرتين حدثت في يوم عادي جداً. حملتُ كلاً منهما، ثم أنزلته، وكبر قليلاً، ثم قليلاً أكثر، من دون أن أعرف أن تلك كانت المرة الأخيرة يطلب مني فيها أن أحمله.
هذا ما تفعله بنا النهايات. تأتي غالباً من دون أن تعرّف عن نفسها.
للبدايات امتياز لا تملكه الخواتيم. نعرف أول يوم في المدرسة، أول قبلة، أول سفرة، أول بيت، أول وظيفة. نصوّر، نحتفل، نحفظ التواريخ. أما الأمور التي تحدث للمرة الأخيرة، فكثيراً ما تمرّ متنكّرة في هيئة يوم عادي: آخر مرة لعبنا فيها مع أصدقاء الطفولة قبل أن يتفرّقوا. آخر ليلة نمنا فيها في بيت لن نسكنه مجدداً. آخر مكالمة مع شخص مات، وربما أنهيناها على عجل لأن لدينا شيئاً آخر نفعله. آخر مرة جلسنا فيها إلى مائدة كان جميع الجالسين حولها لا يزالون أحياء.
لكن الموت ليس الوحيد الذي يصنع المرات الأخيرة.
ثمة أشياء تنتهي لأننا نحن نتغيّر. يأتي يوم نرتدي فيه قطعة ملابس للمرة الأخيرة، نزور مكاناً للمرة الأخيرة، نمارس عادةً رافقتنا سنوات ثم نتوقف عنها من دون قرار مباشر. حتى بعض الأفكار تغادرنا هكذا. نؤمن بشيء للمرة الأخيرة، ولا نعرف أن شكاً صغيراً سيأتي غداً ولن نعود بعده كما كنا.
قد يبدو مؤلماً أننا لا نعرف. لكنني أفكر أحياناً أن في ذلك رحمة. تخيّلوا لو كانت الحياة تنبّهنا في كل مرة: انتبه، هذه القهوة الأخيرة مع هذا الشخص. هذه المرة الأخيرة يقول لك ابنك «خبرني قصة». هذه المرة الأخيرة تكونين فيها المرأة التي أنتِ عليها الآن... كيف كنا لنحتمل كل هذا الوداعات؟
ربما نحتاج إلى جهلنا كي نستطيع أن نعيش. نعوز وهم الاستمرار، أن نقول «إلى الغد» من دون أن نعرف إن كان ثمة غد، أن نغلق الباب من دون أن نلتفت إليه طويلاً.
لستُ أقول إن علينا أن نعيش كل لحظة كأنها الأخيرة. لستُ من دعاة هذه الفلسفة على الإطلاق، لأن حياتنا ستكون حياة مرهقة ومذعورة. ولكن ربما يكفي أن نتذكّر، من وقت إلى آخر، أن بعض اللحظات العادية التي نعيشها اليوم، ستصبح يوماً تلك اللحظات التي نتمنى لو عرفنا قيمتها...
قبل أن تصبح الأخيرة.