مدونة اليوم · 29 سبتمبر 2026 · 3:04
استمع في تطبيق Podli 🎧
تابع برامجك المفضلة، واستمع دون اتصال وفي السيارة عبر CarPlay و Android Auto، وأكمل دائمًا من حيث توقفت. جرّبه مجانًا.
أنا من الناس اللي بتخاف جدًا من كلمة «المنع» لما تيجي جنب الفن. مش عايزة حد يقف على باب غرفة الكتابة ويسأل الكاتب: هتكتب عن إيه، وهتورّي منه قد إيه، وهل الجمهور مستعد؟
و طول عمري باسخر بشكل مباشر من فكرة إن عرض أفعال الشر على الشاشة ممكن يشجع المتفرجين على ارتكابها.
فالجريمة مادة فنية قديمة، من الروايات البوليسية للمسرح والسينما والمسلسلات. ومن حق أي صانع عمل إنه يدخل المناطق المظلمة في النفس البشرية، ويخلينا نشوف حاجات كنا بنفضّل نتجنبها.
لكن في الوقت نفسه من حقي كمشاهدة، وكاتبة كمان، إني أسأل: ليه بقينا نروح للمناطق المظلمة دي بالزخم ده كله؟
تقريبًا كل صباح، قبل ما نعرف الجو حر ولا برد، بقينا بنعرف مين قتل مين. نفتح التليفون عشان نبص على رسالة من المدرسة، تقابلنا جريمة. نفتح صفحة فيسبوك عشان نشوف عيد ميلاد مين النهاردة، تقابلنا جريمة. ننزل نشتري حاجة من السوبر ماركت، نلاقي نفسنا طرف في جريمة. وعلى ما ييجي آخر اليوم، نكون على الأقل شوفنا ٤ جرايم، وعرفنا الضحية، وعلاقتها بالجاني، واتقسمنا فريقين فريق بيلوم الجاني والتاني بيلوم الضحية، وعرفنا طريقة القتل، وشوفنا فيديوهات كاميرات المراقبة، وحضرنا جنازة الضحية، وعيطنا مع ذويها، وسمعنا من عيلة وجيران الجاني وبدأنا نناقش العقوبة اللي من رأينا لازم القانون ينزلها بيه.
الأخبار دي بقت بتطغى على أي خبر تاني. ولو حاولنا نخرج منها إلى مسلسل أو فيلم، كمنفذ عاطفي ونفسي وشعوري، تخيل إيه اللي بقى بيحصل؟ بقينا بنلاقي جريمة تانية مستنيانا هناك. قتل أبشع، وتفاصيل أدق، ومشهد مصمم عشان يفضل معانا بقية أسبوعنا بعد ما تنزل كلمة النهاية.
طبعًا الفن مش مسؤول عن الجرائم اللي بتحصل في الشارع. النقطة دي محسومة على الأقل بالنسبة لي. لكن فيه سؤال تاني محتاجين نسأله: إيه أثر إننا نقضي معظم يومنا محاطين بصور وأشكال كتيرة من العنف، حقيقية ومتخيلة؟ هل بنفضل قادرين نحس بفداحة اللي حصل، ولا مع الوقت بنتعود وبنتأقلم ومجرد حدوث جريمة مابيبقاش كافي عشان يأثر فينا، بنحتاج جرايم أشد وأفظع عشان نتفاعل أو نندهش؟
وهل بعد كل الجرايم اللي بنقابلها في كل مصادر الأخبار حوالينا،المتفرج اللي بيلجأ للفن بعد يوم مرهق آملا في جرعة من الترفيه، يا ترى هيحس بإيه لما يقابل وصف تفصيلي لنفس الخوف ونفس الألم ونفس الفزع، لكن بإضاءة أحسن وموسيقى تصويرية تخلي وقع الجريمة أعمق تأثيرا؟
حرية الإبداع مهمة، وبتهمني شخصيًا ككاتبة. لكن من داخل الحرية دي، من حقنا نسأل: بنختار الحكاية دي تحديدا ليه؟ وبنحكيها إزاي؟ وهل كل تفصيلة عنيفة فعلًا بتخدم العمل، ولا بس بتضمن إن الجمهور مش هيحوّل القناة؟
يمكن مشكلتي مع تكدّس الجريمة على الشاشات إنه سحب مننا مكان كنا بنهرب له من بشاعة الأخبار. بقينا نصحى على جريمة، ونقضي اليوم نتابعها، وبالليل نختار جريمة تانية عشان نرفه عن نفسنا بالفرجة عليها. و بعدين نستغرب إننا عايشين بأدرينالين دائم الارتفاع، وأعصاب على بعد شعرة من الاحتراق، وإحساس بإننا محاصرين بالخطر في كل مكان.