Podliمشغّل بودكاست Webplayer

مدونة اليوم

مدونة اليوم

جمانة حداد: جَلْد بمفعول رجعي

مدونة اليوم · 8 أكتوبر 2026 · 3:18

0:003:18

استمع في تطبيق Podli 🎧

تابع برامجك المفضلة، واستمع دون اتصال وفي السيارة عبر CarPlay و Android Auto، وأكمل دائمًا من حيث توقفت. جرّبه مجانًا.

كل بضعة أيام تقريباً، ينبش أحدهم جملة قالها ممثل أو كاتب أو سياسي قبل عشرين عاماً، أو تغريدة كتبها في مراهقته، فتبدأ المحاكمة: اعتذرْ. فسِّرْ. تبرّأْ من نفسكَ القديمة. حتى إنني صرتُ أفكر: منذ متى أصبح الإنسان مسؤولاً إلى الأبد عن كل شخص كانه؟

طبعاً هناك كلام وأفعال لا يمحوها الزمن، وجرائم لا تتحول إلى أخطاء بريئة فقط لأن عشرين سنة مرّت عليها. كما أن عبارة «كان ذلك زمناً مختلفاً» لا تصلح ممحاة للعنصرية أو الكراهية أو الاغتصاب أو الأذى. لكنْ ثمة فرقٌ بين المسؤولية وبين الحكم المؤبد.

لقد تغيّر سلّم القيم نفسُه خلال العقود الأخيرة. كلمات كانت تُقال بلا تفكير صارت، بحق، غير مقبولة. نكات كنا نضحك عليها صرنا نرى العنف الكامن فيها. مواقف كانت تُعتبر طبيعية أصبحنا نفهم اليوم كم كانت ظالمة لفئات كاملة من البشر. وهذا جيد. هكذا تتقدم المجتمعات: تراجع نفسها، توسّع مساحة الكرامة، وتتعلم أن ترى مَن لم تكن تراهم.

المفارقة أن بعض أشكال الـwokism  الراديكالي باتت تفعل العكس تماماً. حركة وُلدت، في جوهرها، من المطالبة بحق الإنسان في أن يكون مختلفاً، أصبحت لدى بعض المتطرفين فيها أقل تسامحاً مع الاختلاف. والـpolitical correctness  التي أرادت حماية الناس من الإهانة، باتت تتحول أحياناً إلى رقابة، وإلى قاموس يتغير بسرعة تجعل الخوف من استعمال الكلمة الخطأ أقوى من الرغبة في خوض النقاش الصحيح.

وثمة تناقض آخر يزعجني: ماذا نفعل بالشخص الذي سبق له أن راجع أفكاره وعدّلها؟ بالشخص الذي سبق له أن اعتذر، وتعلّم، وتغيّر، ثم قررنا أن خطأه القديم سيبقى هويته إلى الأبد... ما الذي نقوله لهذا الشخص، في ثقافة الجَلد ذي المفعول الرجعي الدارجة اليوم؟ نقول له إن التطور لا يفيد. وإننا لا نريد منه أن يصبح أفضل، بل نريد أن نستمر في معاقبته لأنه كان أسوأ. والأخطر أن الإنترنت لا يسمح لنا بأن نكبر. كان الإنسان سابقاً يقول حماقة في العشرين، فيسمعها بضعة أشخاص، ثم يعيش ويتعلم ويتغير. اليوم تبقى الحماقة محفوظة، مؤرخة، قابلة للاستدعاء بعد ثلاثين عاماً، كأن صاحبها لم يعش يوماً واحداً منذ كتبها. 

ختاماً، أنا لا أطالب بحقنا في ألا نُحاسب. أطالب فقط بحقنا في أن نتغيّر. في أن نقول: نعم، قلت ذلك. كنت مخطئة. لم أعد أفكر هكذا. لكني لست مجبرة على جَلد نفسي كل صباح لكي أثبت لكم ذلك.

لا يمكن أن نطالب الإنسان بأن يغيّر جِلده، ثم نحاكمَه إلى الأبد على الجِلد الذي خلعه.

الحلقات: مدونة اليوم

Podliحمّل تطبيق Podli مجانًا
↓ App