مدونة اليوم · 1 أكتوبر 2026 · 3:01
استمع في تطبيق Podli 🎧
تابع برامجك المفضلة، واستمع دون اتصال وفي السيارة عبر CarPlay و Android Auto، وأكمل دائمًا من حيث توقفت. جرّبه مجانًا.
«من واجبنا ألّا ننسى». «الذاكرة نعمة». «يا حرام، ما بقا عم يتذكّر شي»… عبارات يكرّرها كثر في غير مناسبة، لكنني لطالما شعرت أنها تعميمية.
أفهم ضرورة الذاكرة حين تتعلّق بتاريخنا، بالجرائم والمجازر والظلم. هناك نسيان يصبح تواطؤاً، لأن محو الجريمة يمنح المجرم انتصاراً أخيراً. أفهمها أيضاً في ما يتعلّق بذكرياتنا الحلوة ولحظات السعادة. لكن ماذا عن «ذاكرتنا السوداء»؟ أعني تلك الغرفة السرية، الملأى بالألم والحزن والخزي، التي نحملها داخل رؤوسنا، ولا يملك أحد مفتاحها سوانا؟
نتحدث كثيراً عن ضرورة مواجهة الماضي، معالجة الجروح الشخصية، فهمها، التصالح معها. وهذا كله جميل وناضج وصحيح. لكن ماذا بعد أن نفهم؟ ماذا بعد أن نواجه ونسامح أو لا نسامح؟ هل علينا أن نتذكر ما حدث إلى الأبد؟ هناك أشياء لا تعود تعلّمنا شيئاً. هي فقط تنكأ الجرح.
ذاكرتنا، أصلاً، ماكرة. تنسى اسم شخص نحتاج إليه، ثم تحتفظ بدقة مذهلة بجملة مؤذية قيلت لنا قبل ثلاثين عاماً. تمحو تفاصيل رواية رائعة، لكنها تتشبث بتفصيل تافه من يوم تمنينا لو لم نعشه. كأنها موظف أرشيف ساديّ يقرر وحده ما يستحق البقاء.
هذا لا يعني اني أريد أن أنسى جميع الأشخاص الذين جرحوني، او الذين فقدتهم، او الأخطاء التي قد يمنعني تذكّرها من تكرارها. أريد فقط حقاً صغيراً في تحرير رأسي من بعض المشاهد التي لم تعد تستحق كل هذه المساحة. لأجل ذلك أفكر أحياناً: ماذا لو كان النسيان تطبيقاً متاحاً لنا، نستخدمه متى نشاء وعلى ما نشاء؟
لا مرضاً. لا ضعفاً. لا نعمةً. بل تطبيقاً. أن أستطيع أن أختار ذكرى محددة وأقول لها: انتهت مدة إقامتك هنا. ألم نبالغ أصلاً في تقديس الذاكرة؟ فالإنسان ليس فقط ما يتذكّره. هو أيضاً ما استطاع أن يتركه وراءه وينساه.
غريب أننا نملك على هواتفنا وأجهزة الكمبيوتر سلطة أكبر مما نملك على رؤوسنا. نستطيع أن نقرر ما نحتفظ به، وما نحذفه، وما لم يعد يستحق أن يشغل مساحة من الذاكرة. نضغط delete، ونرتاح.
ليتنا، فقط، نملك الزر نفسه داخلنا.