مدونة اليوم · 22 سبتمبر 2026 · 3:14
استمع في تطبيق Podli 🎧
تابع برامجك المفضلة، واستمع دون اتصال وفي السيارة عبر CarPlay و Android Auto، وأكمل دائمًا من حيث توقفت. جرّبه مجانًا.
في الحكاية القديمة، كان فيه راجل نايم في أمان، وصاحبته الدبة واقفة تحرسه. وقفت ذبابة على وشه، حاولت الدبة تهشّها، فطارت ورجعت تاني. الدبة اتعصبت، وشالت حجر كبير وضربت بيه الذبابة بكل قوتها. الذبابة طارت، لكن صاحب الدبة مات.
ومن يومها بقى المثل بيتقال عن النية الطيبة لما تشتغل من غير حكمة: «دبة قتلت صاحبها».
افتكرت الحكاية دي وأنا بتابع بوستات صفحة وزارة الداخلية المصرية عن قضايا التريند. الناس تنشر صورة شخص مختفي، البوست ينتشر، التعليقات تزيد، والكل يطالب الداخلية بالتدخل. وبعد فترة، تنشر الصفحة بيانًا يبدأ عادةً بـ«كشف ملابسات ما تم تداوله»، وينتهي إما بضبط المتهم، أو بالعثور على الشخص المتغيب، مع سرد تفاصيل الحكاية كاملة.
وإحنا طبعًا بنفرح. الدولة استجابت، والتريند جاب نتيجة، والشرطة أثبتت إنها بتتابع السوشيال ميديا. لكن المشكلة إننا بقينا بنتعامل مع كل قضية كأن نهايتها هي البوست: لقينا المختفي، قبضنا على المتهم، وانتهى الفيلم. بينما أحيانًا البوست نفسه بيكون بداية فيلم أكثر رعبًا.
من أيام، تغيبت طفلة عمرها 16 سنة عن بيتها لمدة ثلاثة أيام. أسرتها استغاثت، والقصة انتشرت، والداخلية تحركت ووجدتها في محافظة أخرى. لحد هنا، المفروض إننا قدام خبر سعيد: بنت قاصر تم العثور عليها حية.
لكن البيان لم يكتفِ بطمأنة الناس. أعلن إنها غادرت بمحض إرادتها، وإنها كانت مقيمة مع شخص يكبرها بسنوات طويلة. تفاصيل ربما تكون مهمة في محضر التحقيق، لكنها شديدة الخطورة لما تتحول إلى منشور عام، باسم طفلة وصورتها، وفي مجتمع يعتبر أن «شرف» الأسرة كلها موجود في جسد بنت.
بعد عودتها إلى بيتها بساعات، قُتلت، واتُهم شقيقها بقتلها بدعوى الدفاع عن الشرف. وتحولت جملة «تم العثور عليها» إلى مقدمة لجريمة أبشع.
طبعًا المسؤول الأول عن الجريمة هو القاتل. مفيش بيان بيجبر إنسانًا على قتل أخته، ومفيش كلام ناس يبرر جريمة. لكن ده لا يمنعنا من السؤال: هل كانت الجريمة ممكنة التوقع؟ وهل وظيفة الأجهزة الأمنية تنتهي بمجرد العثور على القاصر وتسليمها إلى أهلها، ولا المفروض تبدأ وقتها مرحلة أهم: التأكد إنها راجعة إلى مكان آمن؟
لما طفلة تهرب من بيتها وتقيم مع رجل أكبر منها بخمسة عشر عامًا، فدي مش فضيحة تصلح لبوست مثير؛ دي علامة خطر من الناحيتين. خطر محتمل في المكان اللي هربت منه، وخطر محتمل مع الشخص اللي هربت إليه. المطلوب هنا أخصائي اجتماعي، وتحقيق هادئ، وتقييم حقيقي لسلامتها، وربما مكان مؤقت يحميها. مش تسليمها ثم تسليم تفاصيلها، في التوقيت نفسه، إلى محكمة السوشيال ميديا.
صفحة الداخلية مش صفحة مسلسلات درامية، ولا مطلوب منها أن تقدم للجمهور حبكة كاملة ونهاية مفاجئة. الهدف مش إن الصفحة تكسب إعجاب الناس بسرعة، لكن إن الشخص اللي عُثر عليه على الأقل يعني يفضل حي بعد نزول البوست.
الدبة في الحكاية كانت بتحب صاحبها فعلًا، وكانت عايزة تحميه. مشكلتها إنها ركزت على قتل الذبابة، ونسيت تحسب مكان الحجر.
وإحنا محتاجين، قبل نشر أي بيان، نسأل السؤال البسيط ده: إحنا بننقذ الإنسان… ولا بنرمي الحجر؟